قطب الدين الراوندي
29
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ونزل عن المنبر . والمعنى ان الحمد كائن للَّه الذي ليس بجسم ولا عرض بل هو خالقهما ، ولو كان بصفة شيء منهما لرآه الراؤن أو أصابوه . وانما خص الهمة العالية باسناد نفي ادراكه إليها وخص الفكر في قعر بحر العلم باسناد نفي أصابته لغرض صحيح ، وهو أن الثنوية ( 1 ) يقولون بقدم النور والظلمة وانهما حيان هذا مطبوع على الخير وهذه مطبوعة على الشر ، وان العالم ممتزج منهما ، ويثبتون النور خالصا جهة العلو والظلمة خالصة جهة السفل . فرد عليه السلام عليهم ذلك بأن النور والظلمة جسمان والأجسام كلها محدثة واللَّه تعالى قديم ، وان كانت الظلمة هي فقدان النور فلا يضرنا ولا تنفعهم . فان قيل : كلامه عليه السلام هذا ينقض أصلكم ويبطل مذهبكم ، فأنتم تقولون ان النظر في طريق معرفة اللَّه توصل إلى العلم به تعالى . قلنا : لا تناقض بينه وبين ما نقول ، بل كلامه عليه السلام ينبه على صحة جميع ما يعتقده ويولده ، لأنا نثبت صانع العالم من طريق الصنع ونستدل عليه بأفعاله ، فان الموجودات على ما تدل عليه الدلائل العقلية ثلاثة : كتاب اللَّه تعالى ، وذوات الجواهر ، وذوات الاعراض . وطريق اثبات الأجسام وكثير من الاعراض الادراك ، وطريق اثبات ما سواهما من الاعراض الاحكام ، ولا يجوز هاتان الطريقتان في اثبات اللَّه تعالى ، فصح أنه تعالى لا يدرك ولا يرى بالمشاهدة ولا ينال بالإصابة كالأجسام والاعراض ، ولا يحيط العلم به تعالى على أحد الوجهين المذكورين ، وانما يعلم سبحانه وتعالى من طريق فعله ، وذلك على منهاج قوله تعالى :
--> ( 1 ) قال في دائرة المعارف 2 - 770 : هذه الفرقة يزعم أصحابها أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام وبتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع والعقل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح .